ابن رشد
22
تهافت التهافت
ولكن اعتراضات ابن رشد على الكثير من المقدمات العقلية والآراء الفلسفية ، التي شغلت التفكير الفلسفي العربي والإسلامي ، تبقي ابن رشد المدافع الأكبر عن الفلسفة وعن المشتغلين بصناعة البرهان ممن كانوا من أهل الحكمة والبرهان . والانتقادات التي وجهها لفلاسفة المشرق العربي لم تكن بهدف الهدم بل كانت بهدف التصحيح والتقويم لأصولهم وآرائهم . وفي أكثر من موضع يشير ابن رشد في تهافت التهافت إلى أن أدلة الفلاسفة كانت أكثر إقناعا من أدلة المتكلمين وكذلك الآراء التي صرحوا بها حول قدم المادة وقدم العالم وأزليته والسببية والنفس وخلودها . ففيما يتعلق بقدم العالم والمادة فقد سبقت الإشارة إلى موقف ابن رشد المؤيد لرأي الفلاسفة من هذه المسألة . ويتفق فلاسفة الإسلام مع ما ذهب إليه أرسطو بالقول بقدم العالم ، ولكنهم لا ينفون العلاقة بين اللّه والعالم من حيث أن العالم معلول له ولكنهما متساوقان في الوجود . وابن رشد يجاري الفلاسفة فيما قالوه ولكنه لا يفهم من التساوق بينهما ما نفهمه من تساوق العلة والمعلول في المحسوس كتساوق حركة اليد في الماء وحركة الماء . ثم أن العلاقة بين اللّه والعالم ليست من باب المضاف ، بل هي من باب الجوهر . بمعنى أن اللّه سبب الحركة في العالم وليس سبب وجوده . أما المادة فهي في نظر الفلاسفة المحل والحامل للصور وعليها تتعاقب الصور . وهي قديمة وكذلك الصورة والحركة والزمان . فالعلاقة وثيقة بين قدم المادة وقدم الصورة . ويؤكد ابن رشد هذه العلاقة في قوله : « إن المادة والصورة من المبادي الذاتية للأمور الكائنة الفاسدة ، أما العدم فهو بالعرض ، لأنه شرط في حدوث الحادث ، أي أن يتقدمه ، لأن وجود الحادث يعني ارتفاع العدم ، والفساد يعني وقوع العدم » « 1 » . فالعدم شيء ما ، والحامل للوجود والعدم هي المادة ، التي تقبل الصور ، والفعل هو إخراج ما في المادة من القوة إلى الفعل . والقول بقدم العالم والمادة قاد الفلاسفة إلى الأخذ بكثير من المفاهيم الأرسطية التابعة كمفهوم القوة والفعل ، والتغير والصيرورة ، والكون والفساد ، واستخدموا هذه المصطلحات والمبادي في علومهم الطبيعية ووافقهم ابن رشد في كل ذلك وساندهم في جدالهم مع المتكلمين . وأيد ابن رشد الفلاسفة الإسلاميين لأخذهم بمبدإ السببية على النحو الذي كان
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 62 - 63 .